الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
429
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإضافة : جَنَّاتُ إلى عَدْنٍ لإفادة أنها مسكنهم لأن العدن الإقامة ، أي ليس جزاؤهم تنزها في الجنات بل أقوى من ذلك بالإقامة فيها . وقوله : خالِدِينَ فِيها أَبَداً بشارة بأنها مسكنهم الخالد . ووصف الجنات ب تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لبيان منتهى حسنها . وجري النهر مستعار لانتقال السيل تشبيها لسرعة انتقال الماء بسرعة المشي . والنهر : أخدود عظيم في الأرض يسيل فيه الماء فلا يطلق إلا على مجموع الأخدود ومائه . وإسناد الجري إلى الأنهار توسع في الكلام لأن الذي يجري هو ماؤها وهو المعتبر في ماهية النهر . وجعل جزاء الجماعة جمع الجنات فيجوز أن يكون على وجه التوزيع ، أي لكل واحد جنة كقوله تعالى : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ [ البقرة : 19 ] وقولك : ركب القوم دوابّهم ، ويجوز أن يكون لكل أحد جنات متعددة والفضل لا ينحصر قال تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] . وجملة : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حال من ضمير خالِدِينَ ، أي خالدين خلودا مقارنا لرضى اللّه عنهم ، فهم في مدة خلودهم فيها محفوفون بآثار رضى اللّه عنهم ، وذلك أعظم مراتب الكرامة قال تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] ورضى اللّه تعلق إحسانه وإكرامه لعبده . وأما الرضى في قوله : وَرَضُوا عَنْهُ فهو كناية عن كونهم نالهم من إحسان اللّه ما لا مطلب لهم فوقه كقول أبي بكر في حديث الغار : « فشرب حتى رضيت » ، وقول مخرمة حين أعطاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قباء : « رضي مخرمة » . وزاده حسن وقع هنا ما فيه من المشاكلة . ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ تذييل آت على ما تقدم من الوعد للذين آمنوا والوعيد للذين كفروا بيّن به سبب العطاء وسبب الحرمان وهو خشية اللّه تعالى بمنطوق الصلة ومفهومها . والإشارة إلى الجزاء المذكور في قوله : جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني أن السبب الذي أنالهم ذلك الجزاء هو خشيتهم اللّه فإنهم لما خشوا اللّه توقعوا غضبه إذا لم يصغوا إلى من